فخر الدين الرازي
26
تفسير الرازي
وأما الكافر الذي لا يرى إلا العذاب ، فهو لا يرى إلا ما قدمت يداه ، لأن ما وصل إليه من العقاب ليس إلا من شؤم معاملته والقول الثالث : وهو قول الحسن ، وقتادة أن المرء ههنا هو المؤمن ، واحتجوا عليه بوجهين الأول : أنه تعالى قال بعد هذه الآية ، * ( ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ) * فلما كان هذا بياناً لحال الكافر ، وجب أن يكون الأول بياناً لحال المؤمن والثاني : وهو أن المؤمن لما قدم الخير والشر فهو من الله تعالى على خوف ورجاء ، فينتظر كيف يحدث الحال ، أما الكافر فإنه قاطع بالعقاب ، فلا يكون له انتظار أنه كيف يحدث الأمر ، فإن مع القطع لا يحصل الانتظار . المسألة الثالثة : القائلون : بأن الخير يوجب الثواب والشر يوجب العقاب تمسكوا بهذه الآية ، فقالوا : لولا أن الأمر كذلك ، وإلا لم يكن نظر الرجل في الثواب والعقاب على عمله بل على شيء آخر والجواب عنه : أن العمل يوجب الثواب والعقاب ، لكن بحكم الوعد والجعل لا بحكم الذات . أما قوله تعالى : * ( ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ) * ففيه وجوه : * ( أحدها ) * أن يوم القيامة ينظر المرء أي شيء قدمت يداه ، أما المؤمن فإنه يجد الإيمان والعفو عن سائر المعاصي على ما قال : * ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * وأما الكافر فلا يتوقع العفو على ما قال : * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) * ( النساء : 48 ) فعند ذلك يقول الكافر : * ( يا ليتني كنت تراباً ) * أي لم يكن حياً مكلفاً وثانيها : أنه كان قبل البعث تراباً ، فالمعنى على هذا . يا ليتني لم أبعث للحساب ، وبقيت كما كنت تراباً ، كقوله تعالى : * ( يا ليتها كانت القاضية ) * ( الحاقة : 27 ) وقوله : * ( يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ) * ( النساء : 42 ) وثالثها : أن البهائم تحشر فيقتص للجماء من القرناء ثم يقال لها بعد المحاسبة : كوني تراباً فيتمنى الكافر عند ذلك أن يكون هو مثل تلك البهائم في أن يصير تراباً ، ويتخلص من عذاب الله وأنكر بعض المعتزلة ذلك . وقال : إنه تعالى إذا أعادها فهي بين معوض وبين متفضل عليه ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يقطعها عن المنافع ، لأن ذلك كالإضرار بها ، ولا يجوز ذلك في الآخرة ، ثم إن هؤلاء قالوا : إن هذه الحيوانات إذا انتهت مدة أعواضها جعل الله كل ما كان منها حسن الصورة ثواباً لأهل الجنة ، وما كان قبيح الصورة عقاباً لأهل النار ، قال القاضي : ولا يمتنع أيضاً إذا وفر الله أعواضها وهي غير كاملة العقل أن يزيل الله حياتها على وجه لا يحصل لها شعور بالألم فلا يكون ذلك ضرراً ورابعها : ما ذكره بعض الصوفية فقال قوله : * ( يا ليتني كنت تراباً ) * معناه يا ليتني كنت متواضعاً في طاعة الله ولم أكن متكبراً متمرداً وخامسها : الكافر إبليس يرى آدم وولده وثوابهم ، فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال : * ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) * ( ص : 76 ) والله أعلم بمراده وأسرار كتابه ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة .